الشيخ محمد رشيد رضا

590

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يهتد بهدي ابنه أو أبيه أو أخيه من الأنبياء كأبي إبراهيم وابن نوح ، قال تعالى في سورة الحديد ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ) وقيل إن العطف هنا على ما قبله مباشرة - أي وفضلنا بعض آبائهم وذرياتهم واخوانهم وهم الذين اهتدوا بهديهم ، على غيرهم من عالمي زمانهم الذين لم يهتدوا مثلهم وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهذا عطف على ( فَضَّلْنا ) أي وفضلناهم واخترناهم واصطفيناهم بالاجتباء وهو افتعال من جبيت المال والماء في الحوض والثمرات الناضجة في الوعاء - إذا - جمعت ما تختاره منها ، ولذلك قال الراغب الاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء ( ثم قال ) واجتباء اللّه العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعى من العبد ، وذلك للأنبياء ، وبعض من يقاربهم من الصديقين والشهداء . ثم أورد الآيات في ذلك ومنها الآية التي نفسرها ، وقد أعيد ذكر الهداية لبيان متعلقها وهو الصراط المستقيم ، على ما فيه من التأكيد ، وليرتب عليه قوله * * * ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي ذلك الهدى إلى صراط مستقيم ، وهو ما كان عليه أولئك الأخيار مما ذكر من الدين القويم ، والفضل العظيم ، هو هدى اللّه الخاص ، الذي هو وراء جميع أنواع الهدى العام ، كهدى الحواس والعقل والوجدان ، لأنه عبارة عن الايصال بالفعل إلى الحق والخير على الوجه الذي يؤدي إلى السعادة ، وقد تقدم شرح ذلك في تفسير سورة الفاتحة . وقوله « يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ » يقع على درجتين : هداية ليس لصاحبها سعي لها ولا هي مما ينال بكسبه ، وهي النبوة المشار إليها بقوله تعالى ( وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى ) وهداية قد تنال بالكسب والاستعداد ، مع اللطف الإلهي والتوفيق لنيل المراد ، وقد تقدم كلام بهذا المعنى في هذا السياق . وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي ولو فرض أن أشرك باللّه أولئك المهديون المجتبون ، لحبط أي بطل وسقط عنهم ثواب ما كانوا يعملون ، بزوال أفضل آثار أعمالهم في أنفسهم ، الذي هو الأساس لما رفع من درجاتهم ، لان توحيد اللّه تعالى لما كان منتهى الكمال المزكي للأنفس ، كان ضده وهو الشرك منتهى النقص والفساد المدسي لها ، والمفسد لفطرتها ، فلا